الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

200

مناهل العرفان في علوم القرآن

تألفت تراكيبه ، وعلى قواعدهم العامة في صياغة هذه المفردات وتكوين التراكيب جاء تأليفه ، ولكن المعجز والمدهش والمثير لأعجب العجب ، أنه مع دخوله على العرب من هذا الباب الذي عهده ، ومع مجيئه بهذه المفردات والتراكيب التي توافروا على معرفتها ، وتنافسوا في حلبتها ، وبلغوا الشأو الأعلى فيها ، نقول . إن القرآن مع ذلك كله وبرغم ذلك كله ، قد أعجزهم بأسلوبه الفذ ، ومذهبه الكلامي المعجز ! ولو دخل عليهم من غير هذا الباب الذي يعرفونه ، لأمكن أن يلتمس لهم عذر أو شبه عذر ، وأن يسلم لهم طعن أو شبه طعن . وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا : لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ، ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ؟ ولهذا المعنى وصف اللّه كتابه بالعروبة في غير آية . فقال جل ذكره في سورة يوسف إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وقال في سورة الزخرف : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وقال في سورة الزمر : قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . مثال لهذا الفارق : وبما أن الأمر قد اشتبه على بعض الناس حتى ضلوا فيه أو كادوا ، نمثل للفرق بين الأسلوب وبين المفردات والتركيب بمثالين حسيين أحدهما صناعة الخياطة ، والآخر صناعة الصيدلة أو تحضير العقاقير والأدوية : فالخياطون يختلفون فيما بينهم اختلافا بعيدا ما بين خامل ونابه في صنعته ، وضعيف وبارع في حرفته . وهذا الاختلاف لم يجئ من ناحية مواد الثياب المخيطة ، ولا من ناحية الآلات والأدوات والطرق العامة التي تستخدم في الخياطة . إنما جاء الاختلاف من جهة الطريقة الخاصة التي اتبعت في اختيار هذه المواد وتأليفها واستخدام قواعد هذه الصناعة في شكلها وهندستها . وكذلك الصيادلة يختلفون فيما بينهم نباهة وخمولا . وبراعة وقصورا . لا من حيث مواد الأدوية وعناصرها ، ولا من حيث القواعد الفنية العامة في تركيبها ، بل من حيث حسن اختيار هذه المواد ، ودقة تطبيق هذه القواعد في تحضير العقاقير والأدوية ، حتى لقد نشاهد أن مزاج الجيد منها وأثره ونفعه ، يختلف بوضوح عن مزاج الردىء منها وأثره وضرره . وقل مثل هذا في كل ما حولك من صناعات يختلف فيها الصناعون ومصنوعاتهم جودة ورداءة مع اتحاد مواد الصناعة الأولى وقواعدها العامة في الجميع .